مختار بن محمود العجالي ( تقي الدين النجراني )

418

الكامل في الاستقصاء فيما بلغنا من كلام القدماء

يكن كذلك كان كذبا والكذب على الأنبياء لا يجوز . فإن قيل أما الدلالة العقلية فهي تبنى على مسألة التحسين والتقبيح وقد ذكرنا الكلام فيها . وأما السمعية فلا نسلم أن الأنبياء أخبروا بذلك وأما ظواهر النصوص فإنه لا يجوز التعويل عليها من وجهين ، أحدهما : أن ظواهر النصوص لا تفيد اليقين إلا بعد استجماع ثلاثة عشر شرطا ذكرناها « 1 » في الدرر « 2 » فلا بد من بيانها حتى يصح التمسك بها لاثبات اليقين ، والثاني : أن المتشابهات الواردة في القرآن الدالة على التشبيه والقدر ليست أقل ولا أضعف دلالة من الآيات الدالة على إثبات المعاد الجسماني . ثم إنكم تجوزون تأويل تلك فلك لا يجوز تأويل مثلها هاهنا ؟ بل هاهنا أولى . وذلك أن الرسول عليه السلام لما كان مبعوثا إلى كافة الخلق . ولا بدّ وأن / يخاطبهم بخطاب يمكن الوقوف على مثله . والمعاد الروحاني مما لا يمكن الوقوف عليه إلا خواص الناس وأذكياؤهم . فلو أنه عليه السلام كان يصرح معهم بالمعاد الروحاني فإما أن يصرح بذلك مع الأذكياء أو مع العوام أما الأول فباطل لوجهين ، أحدهما : أن الأذكياء الذين « 3 » يبصرون حقيقة النفس وكيفية سعادتها وشقاوتها ربما لا يوجد في الأمصار في كثير من الأعصار إلا الواحد بعد الواحد . فلو لم يكن النبي مبعوثا إلى أمثال هؤلاء لسقطت فائدة البعثة . والثاني : أن الذي بلغ في التحقيق إلى هذا الحد لم يكن حاجته ماسه إلى البعثة كما كانت حاجة غيره ، فكيف يليق بحكمة الحكيم أن يبعث الرسول إلى من لا تشتد حاجته إليه . ولا يبعثه إلى من تشتد حاجته إليه ؟ وأما إن صرح بذلك مع العوام فهذا أيضا باطل لأنه عليه السلام لا بدّ وأن يدعهم « 4 » إلى ما يعلم أنهم يرغبون إليه . ويتوعدهم بالأمور التي يعلم أنهم ينفرون عنها . والعوام إذا لم يخطر ببالهم شيء من اللذات النفسانية والآلام النفسانية استحال من الرسول أن يأمرهم بالطاعات تطميعا وترغيبا في

--> ( 1 ) في الأصل : « ذكرنا » . ( 2 ) كذا في الأصل ، ولعلها اسما لكتاب للمؤلف « تقي الدين النجراني » ، غير معروف حتى الآن ( انظر المقدمة ) . ( 3 ) في الأصل : « الذي » . ( 4 ) كذا في الأصل ، والأصوب « يعدهم » .